السيد عباس علي الموسوي

65

شرح نهج البلاغة

هؤلاء الفقراء ويتنحى عن إعانتهم ومديده إليهم . . . ( وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ، ولا ينصب للمسألة نفسه ، وذلك على الولاة ثقيل ( والحق كله ثقيل ) . وقد يخففه اللّه على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ، ووثقوا بصدق موعود اللّه لهم ) هذه وصايا الأنبياء إلى أتباعهم وهذا هو منطق السماء الذي يتعادل فيه القوي والضعيف ، الغني والفقير ، الحاكم والمحكوم ، صاحب الجاه والصعلوك ، إن كل هذه الفئات مخلوقة للهّ وتتساوى أمامه دون تمييز فلذا يتعامل معها بمنطق واحد ولسان واحد ، والإمام هنا يشدد الوصية بالاهتمام بهذه الطبقة الفقيرة التي لا تستطيع أن تقفز فوق الحواجز المصطنعة لتصل إلى الوالي فترفع شكواها واحتياجاتها إليه إن هناك من هذه الطبقة من تحتقره العيون وتزدريه لأنها عيون لم تبصر بنور اللّه تتعامل مع الثياب والمال دون المثل والقيم إن مثل هذه الأفراد يجب على الوالي أن يوظّف لها رجلا من أهل التقوى للهّ والتواضع لعباده ، فيعمل بمقتضى تقواه دون أن يزيد على حالة البؤساء بؤسا أو ينقص منها شيئا ، بل يرفعها إلى الوالي على حقيقتها كما هي كي تعالج بوصفتها المناسبة لها دون مضاعفات أو مخاطر مراعيا ربه مطمئنا إلى ما يقدمه من الأعذار التي تشفع له عندما يسأل عن أحوال هؤلاء الفقراء الذين لم يخرجوا من رعيته وسلطانه . . . ثم الأيتام هؤلاء الذين فقدوا الآباء فإنهم يستحقون الاهتمام والعناية التي تعوض لهم عن حرمان الأب وحنانه فإنهم أبناء المسلمين الذين لم يتمتعوا بآبائهم فكان لهم في الوالي أبا بدلا عنهم . وأما أولئك الذين كبرت سنّهم ودقّ عظمهم وانقطعت حيلتهم عن الكدّ والسعي والعمل فهم أيضا يستحقون الإعالة والكفالة من الدولة فإنهم بذلوا شبابهم وجهودهم في سبيل بنائها فلا يجوز لها أن تهملهم من حساباتها ومعوناتها إذا عجزوا عن اقتحام مداخل أبواب الوالي وعتبات داره . . . ثم إنه عليه السلام يلفت النظر إلى أن هذه الطلبات والوصايا ثقيلة على الولاة لأنها تكلفهم أتعابا وجهودا وعرقا وكدا وتأخذ من أوقاتهم الشيء الكثير ولكنه يعود ليقول لهم إن الحق كله ثقيل ، لأنه يتطلب العدل والإنصاف وهذا مما لا تقبله أغلب النفوس ولكن الإنسان الصالح يستطيع أن يقهر نفسه بل يستطيع أن يتقبل الحق بكل راحة نفس واطمئنان واللّه يمده بالعون إذا صبر ويسهل عليه الأمر إذا رأى ما أعده اللّه له من الحسنات والخيرات . . . ( واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك ، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه للهّ الذي خلقك ، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك